أبي منصور الماتريدي
226
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أحدها : قوله : هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ، ولو كان منه الإرادة والمراودة ، لم يكن ليقول ذلك لها ويبرئ نفسه من ذلك . والثاني : قوله : كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ ، ولو كان شيء مما ذكروا من حل السراويل والجلوس بين رجليها ، لم يكن السوء مصروفا عنه . والثالث : قوله : ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ [ يوسف : 52 ] ، ولو كان منه ما ذكروا لقد خانه بالغيب . والرابع : قولها : ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ [ يوسف : 51 ] ، وقولها : الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ [ يوسف : 51 ] . هذا كله يدل أن ما قاله أهل التأويل فاسد ، لا يحل أن يتكلم فيه بشيء من ذلك ، وليس في ظاهر الآية شيء مما قالوا لا قليل ولا كثير ؛ إذ ليس فيه سوى أن همت به وهم بها . ثم تحتمل الآية وجوها عندنا : أحدها : همت به : هم عزم ، وهم بها هم خطر ، ولا صنع للعبد فيما يخطر بالقلب ، ولا مؤاخذة عليه ، وهو قول الحسن . والثاني : همت به همّ الإرادة والتمكن ، وهم بها هم دفع ، لكنه يدخل عليه قوله : لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ، لو كان همه بها هم دفع لم يكن لقوله : لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ معنى ، لكنه يشبه أن يكون هم بها ، أي : هم بقتلها « 1 » ، فإذا كان هم بقتلها فرأى برهان ربه فتركها « 2 » لما لا يحل قتلها . والثالث « 3 » : كان يهم بها لولا أن رأى برهان ربه على الشرط ؛ كان يهم بها لولا ما رأى من برهان ربه ، وهو كقوله : وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ [ الإسراء : 74 ] لولا ما كان من تثبيتنا إياك ، وكذلك يخرج قول إبراهيم : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ [ الأنبياء : 63 ] ، أي : لو كان هو الذي ينطق لفعل هو . ثم اختلف في قوله : لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ : قال بعض أهل التأويل : رأى يعقوب عاضّا على شفتيه .
--> - ومجاهد ( 19033 ، 19039 ) ، وسعيد بن جبير وعكرمة ( 19038 ، 19040 ) . وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 22 ) وزاد نسبته لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن مجاهد ، ولأبي الشيخ وأبي نعيم في الحلية عن ابن عباس . ( 1 ) في ب : قتلها . ( 2 ) في أ : وتركها . ( 3 ) في ب : والثاني .